رغم مرور كل ذاك الزمن ورغم صغر سني حينها، مازلت أذكر تلك المشاهد التي بُثت عن مجزرة صبرا وشاتيلا، وما زال إلى الآن يتهيأ لي أزيز الذباب الذي تكاثف على الجثث، ويتردد في ذاكرتي كلما رأيت أو تحدث أحد عن صورة تقشعر منها النفوس، ولعل أهم ما استدعى تلك المشاهد، صورة السفاح الذي أجرم بعائلة فيها طفلتان في إحدى المناطق اللبنانية، وهو معلق بشكل وحشي يتدلى على رؤوس الأشهاد، الذين وقفوا فضوليين أو متشفين أو لا أدري - البعض كان يصور- لهذا الانتقام الحقير، وتداعت المشاهد فتذكرت أيضاً مشهداً لم استطع إكمال رؤيته كان قد تم تناقله على الجوال عن حشد متجمع حول فتاة في إحدى القرى يشاهد كيفية إقامة الحد عليها "ربما" لحب أقدمت عليه لوَّث شرف مقدسهم، ما جعل الشبان يقومون بضربها بشكل وحشي "رجولي" واستعراضي ناقم، علَّ المقدس يرضى عنهم، بل عندما ارتفع ثوبها عن فخذيها غطوهما لنبالتهم، وهي من أبشع المشاهد التي رأيتها، وما زاد بشاعتها في نفسي الحالة اللامبالية للشباب والنساء الذين يتابعون الاستعراض الهمجي البشع لطقس الثأر البربري، بل أن هناك العديد من الشبان ظهروا وهم يصورون هذا المنظر كلُقيا مشهدية يجب توثيقها واستعراضها، وتذكرت لقطات مشهد آخر وهو لم استطع إنهائه أيضاً؛ لجماعة تدَّعي الحكم بأمر الله أيضاً، وهم يذبحون أحد الرجال على "الطريقة الإسلامية"، ومنذ بداية المسخرة السورية المفجعة، وخلال امتدادها، ورغم محاولة بعض المقربين والمعارف عرض إبداعاتها المَرضية التي تفنن في خلقها وتشكيلها بعض السوريين، مرضى قنوات السم والزقوم الديني، والتي يندى لها جبين الشيطان، ومنذ أن سمعت بحادثة (نضال جنّود) التي سماعها يكفي ليغص القلب، لم يغرني أي فضول في مشاهدة أي من تلك السفالات التي يفعلها الناس ببعضهم، المعروضة على النت أو الجوالات أو حتى في نشرات الأخبار، التي كنت قد توقفت عن متابعتها، لكن الذي أثار هذه المقالة في الواقع مشهد من نوع آخر لا يثير الاشمئزاز والقهر والقرف مثل التي ذكرتها سابقاً، لكنه مشهد (فانتستيكي أو إكزوتيكي أو سرياليتيكي )، ورغم أني أول ما رأيته استهجنته واستقبحته، إلا أني قاومت وشاهدت بضع دقائق منه، وهو بكل "بساطة" عن كلب يقوم بنكح فتاة كأنما ينكح كلبة، وقد بدت الفتاة تمثل سرورها ومتعتها بهذا الفعل، وإن أظهرت ألمها من أذية مخالبه في خاصرتيها، أما الكلب فكأنه ممثل بورنو حقيقي، حتى أن فعله بدا أكثر مصداقية، فالكلب لم يكن يستعرض، وقد صدمني هذا المشهد وأقرفني بعكس مشهد آخر شاهدته مباشرة بعد مشهد الكلب لفتى ينكح حمارة، وهو ما أثار ضحكي، فالفتى الذي أدار وجهه عكس الكاميرا بدا معتاداً على هذا الفعل، بينما الحمارة تجتر بلا مبالاة، فمشهد كهذا لم يكن بحاجة إلى تلقي نقدي مني، فوقاع البهيمة معروف أنه ينتشر في المناطق الريفية المتخلفة المتزمتة في بلداننا العفيفة، بل سمعت أنهم يتغاضون عنه في بعض المناطق، وأذكر أن أحد زملائي في الخدمة الإلزامية روى لنا أن زميله الذي يعيش في هذه المناطق، روى له وقاعه لحمارة بتباهٍ، أما في مشهد الكلب فالأمر افترَضَ تلقياً مختلفاً، فللوهلة الأولى أزعجتني رؤيته وخدشت نفسي، فتلقيته بشكل انفعالي بريء، وأردت ألا أتابعه، إلا أنني صمدت قليلاً في محاولة لأستوعب الأمر، ولأقرأه ببرود وبشكل معرفي أكثر بعيداً عن الوجدانية، أعدت المشهد حتى أتجاوز الصدمة، ثم صفنت محاولاً تحليله وفهمه بشكل يجعله طبيعي فيريحني من اشمئزازي، فأولاً: إن الفعل الجنسي والعادة السرية شيء منه، وبسبب تربيتي وبيئتي ـ حتى مشاهدته - فعل دنس، وما زال له بعد كل المحاولات المعرفية والعلمية والعملية التي حاولتها لتجاوز ذلك المخزون الطهراني الغبي، الأثر السلبي النفسي الذي تركته بيئتي وتربيتي المكبوته - عفواً الطاهرة- برؤيتها البلهاء لذاك الفعل على أنه عمل خطير و رهيب و و...
ثانياً: فكرة أن كرامة الإنسان وهي القيمة الأعلى فيه، ظهرت في واحدة من أشقى صورها، خصوصاً من كائن ضعيف ورقيق هو الأنثى، الذي لدي تصور تام عن الضعف والاستغلال والإذلال التاريخي الذي أخضعها له الرجل، وهذا ما جعل المشهد أكثر حقارة، وأخيراً : في مجتمعات الاستهلاكية والتسطيح، التي تشيّأ فيها كل شيء حتى العواطف، فصار الحيوان بالنسبة لأعضائها تذكيراً بالبراءة التي عافها البشر، وأصبح يثير الاهتمام والتعاطف، وتصرَف عليه الكثير من المحبة والعطف والأموال، فإن ممارسة الجنس مع الكلاب وربما مع التماسيح مثلاً، ليس فيها ما يجعل الأمر غير طبيعي، خصوصاً في مجتمع إباحي لم يستطع رغم هذه الإباحية، التخلص من عقدة الجنس الإلهية، فيحاول استحداث المزيد من الإباحة المرَضية المُرضية للبعض، هكذا رأيت أن المشهد كان نتيجة طبيعة لأسبابه، طبعاً أستطيع أن أقرأ مشاهد المجرم المتدلي، أو الفتاة المسكينة التي تتناهشها رجولة الشرف، أو صبرا وشاتيلا - وتذكرت الآن قانا 1و2- أو ذبح الإنسان كالنعجة ومشاهد القتل الوحشي الأبله التي أفرزته المؤامرة على سورية، بنفس القراءة الموضوعية لمشهد الكلب الذي يضاجع البنت، فلا أتلقى هذه المشاهد إلا ضمن سياقها الطبيعي المبرر لها، وضمن رؤية ترى أن الإنسان كما يملك عقلاً يجعله يبدع الجمال، فهو كذلك يستطيع بواسطته أن يبدع البشاعة، فلا تبقى هذه المَشاهد والصور بكل هذا القرف والحقارة واللانسانية، خصوصاً إذا ما قارنتها بغيرها وهنا بيت القصيد، فأيهما أقبح؟ مشهد ذبح إنسان أم وسامة جون كيندي في حرب فيتنام وابتسامة البوشَين في حروب العراق ولبنان وغزة، مضافاً إليها دماثة ولباقة كسينجر ذي التاريخ الدموي، وأيهما أشنع مشاهد صبرا وقانا وغيرهما أم منظر الخونة المتأنقون وهم يبتسمون ويتذاكون في السياسة، وأيهما أشنع؟ منظر رجال الدين التكفيريين الحاكمين بأمر الله ومشاهد شيوخ وأمراء وملوك النفط الوسخين والمبجلين، أم مشهد الفتاة ضحية العفة العفنة، أم أيهما أقرف؟ مشاهد صالات القمار الفارهة و منظر الفحش و البذخ الموجود في سكن ولباس ومعاش الأغنياء من رجال أعمال، أم أطفال لايكسي عظامهم إلا جلدهم والقذارة، و أيهما أنجس؟ نجوم تافهين متبسمين و لطفاء لا همَّ لهم إلا الضحك على عقول الناس الفقيرة، أم مشهد فتاة ينكحها كلب؟، أيَّهم برأيكم ؟ ؛ هل تعتقدون أن هذه المقارنة فيها مبالغة وتطرف، فكيف يصح أن يكون منظر الفنانين النجوم وهم يتلطفون ويتبسمون للكاميرات على البسط الحمراء كأنهم آلهة تنقذ البشرية من الفقر والذل والظلم، أقبح من منظر مناكحة حيوان لكائنة بشرية؟ بل أن يكون منظر زعيم عربي يقتل الإسرائيليون شعبه ويأسرونه ويحاصرونه، بينما هو يضاحكهم مع سادة البيت الأبيض، أبشع من رؤية صبرا وشاتيلا وقانا ؟ وكيف يصح أن أرى منظر رجل دين مهما كان دينه، يعتبر نفسه ممثلاً لله أقبح من منظر ذبح وحشي لإنسان؟ أو حتى منظر بان كي مون ومجلس الأمن أو أحد التكنوثقافيين يتفصحن بالريال والدولار فيلبس الحق بالباطل والعكس ،أبشع بشكل مضحك ومخزي من بدويٍّ ينكح حمارة؟ كيف يكون ذلك باعتقادكم؟ .
على الأقل أحاول كشف مقاربة قد تصح بين هذا و ذاك، ولو أنني بعد هذه المقالة قررت كما لن أتحمل البشاعات ذات القباحة والسفالة الواضحة و المباشرة، ألا أتحمل البشاعات ذات التأثير العابر أو المريح أو المبهج، التي تترك وهْم الأمان والطمأنينة والسلام والجمال، بالابتسام و اللطافة والدماثة والأناقة، والتي تخبئ على ما أيقنت أسباب تلك المشاهد الحقيرة المنتشرة هنا وهناك، فهل نستطيع بهذه المقارنة أن نتعرف أكثر على البلاهة الوحشية للإنسان بأعلى سوياتها؟ أنا شخصياً تعرفتها في الحالتين، وليعرف من له عينان لم تريا أبعد من القشر قـَط، وقلب لم ينبض بغير الدم قط، وعقل لم يتألم كفاية قَط، أن وراء المشاهد المريحة والدبلوماسية والمبهرجة و الممتعة كل ذلك الفقر والقهر والذل والبشاعة والخداع الذي وراءها.

اشنرك في تقييم المقال

تنويه ! نتيجة التقييم غير دقيقة و تعبر عن رأي المشاركين فيه

التقييم الحالي: 67 %